السبت، 6 ديسمبر 2014

سعار الاستهلاك .. "أو كلما اشتهيت اشتريت"



وأخيرا أودع جوالي آيفون 4 .. اشتريته سنة ثانية في كلية الطب .. بالتحديد قبل 4 سنوات من الآن ..


الفترة الأخيرة بدأ هالجوال يصير من التحف ويبعث على استغراب البعض خصوصا من اللي يعرفوني من زمان "إلى الحين عندك هالجوال" ..

 
 
 

 
 
غيرت جوالي الآن لسببين:  بدأ يعطلني بالتعليق .. وبطاريته أصبحت مزرية ..

رغم نزول أكثر من جهاز ايفون بعده إلا أني مافكرت أبدا أغيره .. لأني ما أشوف في أي اصدار ايفون جديد بعده ميزه تستاهل أغير الجوال لأجلها .. كلها ميزات صغيرة ماتضيف لي شيء!

 

الأمر عندي يرجع لثقافة الاستهلاك .. وأعتقد أن فلسفتي في الموضوع أصبحت الآن واضحة :

"إن كان الشيء اللي عندك يؤدي الغرض الذي تريده  .. واللي ممكن تشتريه مافيه ميزة إضافية.. ليش تشتري آخر؟"

 

أعرف أن الأمر قد يبدوا الآن متطرفا أومثاليا! لذلك دعني أشير إلى عامل أساسي في قراراتنا الاستهلاكية ويلعب دورا في قراراتنا الشرائية قد يفوق دور حاجتنا الفعلية للشيء.. فنحن لانشتري المنتج فقط لتلبية الحاجة الأساسية  منه .. وإنما لتلبية حاجة نفسية لدينا .. أي أننا نريد أن نبدوا مميزين عن الاخرين عن طريق مانملك .. أو على الأقل لانريد ان نبدوا أقل منهم ..

لهذه الحاجة النفسية تأصيل وهو شيء فطري ومقبول إلى حد : "إن الرجل يحب أن يرى ثوبه حسنا ونعله حسنا"

لكن القضية تكمن أن تزيد هذه الفطرة عن حدها فتنقلب إلى اضطراب.. ذلك عندما تصبح قيمتك وتقديرك لذاتك مبنية على ماتملك .. هنا يشتد سعار الاستهلاك .. فتصبح الحاجة النفسية طاغية عن الحاجة الفعلية للمنتج ..

 

التوازن مطلوب .. فكلنا يود أن يظهر بأحسن مظهر .. لكن علينا ألا نربط قيمتنا بما نملك .. إذ أنه كلما ربطت قيمتك بما تملك كلما أصبحت أكثر تعلقا بتلك الأشياء وأقل تقديرا لقيمة نفسك .. فالذي يشعر بقيمة نفسه تتضاءل عنده أهمية هذه الأمور ..
علينا ألا نجهد أنفسنا ماديا ونفسيا في سبيل مجارات الناس وإرضائهم من هذا الباب ... علينا ألا نشعر بالحرج من شيء لمجرد أنه أصبح "موديل قديم" .. أشتر ماتريد لا مايريد الآخرين ..
 

الشركات تلعب على هذا الوتر النفسي .. تخرج منتجات بشكل متكرر ومتسارع لا تختلف عن بعضها كثيرا من ناحية المميزات .. إلا أن الكثير يسارع إلى التغيير ومجاراة هذ السعار الاستهلاكي ..

 

 

يذكر عن جابر بن عبدالله رضي الله عنههأنه قال : رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال : ماهذا ياجابر ؟ قلت اشتهيت لحما فاشتريته . فقال عمر : أو كلما اشتهيت اشتريت ياجابر ! ماتخاف الآية ) أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا)

 

الخميس، 26 يونيو 2014

أبي المدرسة -1-


لست ممن يحب الكلام والفخر بشيء أتى له هبة بلا تعب! لذلك لم أكن أحب الحديث عن والدي –رحمه الله- كثيرا بقدر ما كنت أحب أن أعمل لأكون أنا فخرا له.. ولكن الآن وبعد رحيله أعتقد أن الحديث عنه بفخر قد تحول مما قد يُعد غرورا إلى برٍّ به رحمه الله ..

 

ما حمسني في الكتابة هو حديث دار في تويتر من تغريده أثارها الدكتور أيمن عبده ذكرتني بفكرة كانت جوهرية في سنوات أبي الأخيرة رحمه الله ..

 

في عدة تدوينات قادمة بإذن الله سأكتب عن أجزاء من حياته رحمه الله .. وكما يقول جلال أمين في مقدمة مذكراته بأن كل شخص حكاية تستحق أن تروى .. أجد في أبي رحمه الله شخصية فيها الكثير مما استفدته أنا وغيري الكثيرين .. فهو مدرستي التي أنعم الله بها علي وأمد في عمره كي أتتلمذ 24 عاما فيها ..

 

ستكون التدوينات عبارة عن أجزاء من حياته أو أفكاره التي استفدت منها .. وتجاربه التي لم يسعفه الوقت لينقلها .. أسأل الله أن أكون سبيلا في نقلها ..

 
-1-
Mid-Career shift

ليس سهلا أن تترك وظيفة لها سمعتها و"بريستيجها" بإرادتك ودون أن يرغمك أحد على ذلك! بعد أن تدرج من طبيب للأطفال وانتهى به الحال مديرا لإحدى من أكبر مستشفيات المملكة ..  ترك إدارة مستشفى الملك فيصل التخصصي في جدة بعد أن أسسها وأدارها ل7 سنوات باستقالة قدمها عدة مرات حتى تم له ما أراد آخر مرة ليبدأ مرحلة أخرى من حياته! ليس سهلا أن تدخل عالما تجاريا صعبا تزامن مع الأزمة المالية العالمية .. في الوقت الذي تحتاج أن تثبت لم حولك أنك قرارك كان صائبا!

إنه يعشق التحدي ويكره الروتين .. لديه نظرية Mid-career shift  التي اتبعها وآمن بها حتى إنه استضيف كمحاضر بها في أحد المؤتمرات العالمية .. النظرية تؤيد بأن الانسان في مرحلة معينة من حياته وبعد أن يحقق كثيرا من أحلام الشباب وتحدياته وطموحاته وتبدأ حياته بالتحول إلى روتين ..  يحتاج وقتها أن يجد فيه نفسه الشغف والتحدي الذي يعيد للحياة بريقها ..

وهكذا كان .. حيث انتقل من عالم الطب تدريجيا إلى عالم الأعمال وبشكل نهائي في منتصف الأربعينات .. حيث بدأ مرحلة جديدة حاول فيها أن يجسد الرؤية التي يراها من الابتكار والحلول في عالم الأعمال  .. انتقل إلى شغفه .. ولم يقتصر انقاله إلى أعماله الخاصة فقط .. بل امتد إلى عالم ريادة الأعمال وحصل على شهادة فخرية توازي الاستاذية "البروفسور" من جامعة سويدية ساهم بعدها في إنشاء الجمعية السعودية لريادة الأعمال  ..

 

كان الدرس أن لا تجعل مسار حياتك في البداية يحدد مسارها في النهاية .. ألا تفقد الحرية بأن تكون في المكان الذي تريده حيث تجد نفسك وشغفك .. لا تجعل نفسك مرغما أن تعيش بقية حياتك بطريقة معينة لمجرد أن من "المفترض" أن تعيشها بتلك الطريقة.. المهم أن تنجز وتؤثر وليس المهم أن تسير على الخط المرسوم لك! أبداعك يكمن في طريقك الفريد .. والحياة مغامرة استمتع بها ..
 
 

الجمعة، 16 مايو 2014

ذات جمعة!


لا أحتاج أن أكرر أن لدينا أزمة خطباء! تلك الخطب السطحية التي لاتضيف للشخص المتعلم شيئا سوى أنها واجب ديني هذا إن خلت من أفكار سلبية تبث من خلال بعض المنابر! خطب الجمع التي تفتقد للتجديد ومحاولة تلمس حلول لمشاكل الحياة اليومية .. منبر الجمعة الذي يفترض به أن يكون وسيلة تثقيف ووعي مدني وثقافي وروحاني ..

لا أحب السوداوية فهناك من الخطباء أو من الخطب الشيء الجيد .. من هؤلاء الخطيب إبراهيم الحقيل والذي يلامس عقولا متعلمة بخطب بعيدة عن التكرار والسطحية .. ولكن للأسف ونزولا تحت رغبات –سهل- بسبب حر المسجد اضطرنا تحت شروط الديمقراطية العائلية القاهرة ان نغير المسجد في الصيف لمسجد اخر!

خطبة الجمعة هذا الأسبوع كانت عن الامن والأمان .. تناوله الخطيب من ناحية أنه نعمة عظيمة ومن أول أسبابها استقرار الحكم وعدم انتقاد الحاكم والاجتماع عليه مهما فسق!

أتفق مع الخطيب في أنه لا يجدر بالعاقل ان يسعى لتبديد الاستقرار الى فوضى! لكن تناول الخطيب للموضوع كان كالآتي : التخويف من الكلام عن الحاكم بأي شكل سلبي لان أي شيء من هذا القبيل يؤدي بشكل مباشر إلى زعزعة النظام فالفوضى وانعدام الامن الامر الذي لايريده أحد!
 
 لماذا نتناول الموضوع بهذه الحدية؟ تناول موضوع الحاكم بهذا التخويف أثره سلبي أيضا! التخويف بهذا الأسلوب يدعوا الى السكوت عن كل مايقوم به الحاكم خيرا أو شرا .. حينها ينعدم الإصلاح ويعم الفساد ويبدأ الظلم في الانتشار ليتلوه الحمق والضغط الشعبي ومن ثم الانفجار والفوضى في أي لحظة الأمر الذي لايريده أحد أيضا!
 
 من حق الناس أن تتكلم وتبدي الرأي فالناس ليسوا مجرد قطيع يسوسه شخص ما كيفما أراد! البشر لهم طموحات ورغبات وتطلعات للأفضل ككل الشعوب وليس من المعقول سحق كل تلك الأمور والتلويح بالتخويف بانعدام الأمن!

الموضوع يحتاج إلى موازنة ! فلا خروج وفوضى مباشرة .. ولا سكوت تام يؤدي لفساد الأمر وانتشار الظلم .. لا نسنشتهد بأحاديث السمع والطاعة المطلقة وننسى أحاديث فضل القيام في وجه الحاكم الظالم!

 

الجمعة، 18 أبريل 2014

طريقنا للحياة المملة..


لدينا قواعد نؤمن بها بلا تفحص لها وإنما لباعث نفسي غير واضح! وتأتي بعض الأحداث في الحياة التي تجعلنا نراجع كثيرا من أفكارنا ورؤيتنا للحياة ..
 من تلك القواعد التي كنت أتبعها : "الواحد لازم يخلص بدري من دراسته ويرتب حياته بشكل مبكر ويوصل هدفه بأسرع وسيله ولا يتأخر حتى يستقر"

قد يكون لهذه القاعدة مسلمات مشوشة أتخذت القاعدة بناء عليها :

1- كلما أنجزت بشكل أسرع كلما كانت فرصتك للنجاح أكبر:

نعم قد يكون هذا في الظاهر .. ولكن عند تفحص المسألة بشكل آخر : كيف سيساعدك إنجازك المبكر في نجاح أكبر ؟ قد تكون الإجابة بأن الانجاز في عمر مبكر وعمر أصغر سيكون عامل إيجابي لك في المنافسة في الفرص المتاحة .. إذ أن تخطيك لمراحل كثيرة في عمر صغير سيعطي انطباعا عنك سيساعدك لخلق فرص ممتازة تفتح لك أبواب نجاح..

ولكني أصبحت أشكك قليلا من صرامة هذه القاعدة : حجم الانجاز والأثر الذي تتركه وثقة الناس بك ستيفتح لك أبوابا أكبر من مجرد كونك منجز في عمر صغير .. إذ أن الناس لا يريدون شيئا من عمرك الصغير وإنما يحاولون الاستدلال به لفرص نجاحك مستقبلا .. إما ان استطتعت إثبات أنك الشخص المناسب والأفضل فستكون لك الأولوية لهذه الفرص بغض النظر عن سنك.

2- كنت أعتقد أن التأخر أثناء مسيرتك سينعكس سلبا على نفسيتك وتقديرك لنفسك  .. هذا الكلام قد يكون صحيحا من جانب ولكن ليس بشكل كامل :
هل نعيش في سباق؟ عندما تصل إلى سن السبعين هل ستقول "ياليتني استعجلت ووفرت سنتين من حياتي"؟
عندما نصل إلى نهايات أعمارنا لن يكون لتأثير عدد السنوات التي تأخرناها أو التي اختصرناها أي قيمة .. الذي سيهمنا وقتنها وسيكون له تأثير نفسي كبير حينها هي نوعية الحياة التي عشناها .. وهذه النقطة الأساسية في الموضوع : هل نريد أن نعيش حياة مختصرة سريعة بغض النظر عن النتائج أم نريد أن نعيش حياتا كل يوم فيه ذا قيمة؟

النظر إلى الحياة بأنها " قيم سوني" وعلينا تختيم الشريط هو التفكير الأول الذي يريد أن ينهي مراحل الحياة سريعا! هل تريد أن تصل للنهاية سريعا ثم تقف متفرجا باقي الحياة تنتظر أن يخرج أحدهم الشريط!؟

إن الحياة التي نستيقظ فيها كل يوم ونحن نتقدم فيه لهدف معين مع سعادتنا بذلك اليوم وبالتقدم الذي نحرزه في الطريق هي تلك الحياة التي من المفترض أن نختارها .. الحياة التي نستيقظ فيها كل يوم ولدينا الأثر الذي نسعد بأن نتركه للعالم! الحياة التي لاتنتهي أهدافها التي نسعى لها .. استمتع بكل سنة في طريقك في الحياة بل بكل يوم .. واجعل من طريقك رحلة ممتعة وليس سباقا ..ولا تتوقف خلال هذه الرحلة عن العمل لما تؤمن به في حياتك .. واعمل بجد لتحقيق ماتريد دون أن تخسر نفسك ... الانجازات الكبيرة لا تتعلق بعمرك وسرعة تخطيك لمراحل الحياة وإنما بنوعية الأيام وقدر بنائك لنفسك فيها وإن يبدوا أنك تأخرت الطريق..

من يدري متى ستنتهي حياتك ؟ هل تود أن تنتهي مبكرا دون أن تعيشها وتعيش لمبادئك في سباقك المحموم للإنجاز المبكر دون أن تكون أنجزت شيئا حقا ؟ أم تريد أن تكون في كل يوم راض عما تقوم به في سبيل أهدافك وفي سبيل ماتود أن تقوم به في حياتك وحياة من حولك؟


يظل الانجاز المبكر شيئا مطلوبا لكن دون أن نفقد أنفسنا .. دون أن نعيش حياتنا في سباق محموم متوتر .. ودون أن يكون هدفنا مجرد الانتهاء من مراحل حياتنا سريعا للوصول للاستقرار الذي قد يكون الملل الذي سيستمر لبقية حياتنا..

ينتهي طعم الحياة فقط عندما تنتهي أهدافنا وأحلامنا فيها .. وطريقة تفكير واستعجال النهاية قد يعرضك لذلك!

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

متعة التلذذ بالمحنة



كتب رحمه الله على تويتر قبل وفاته بأشهر قليلة :
"الصبر أكثر من مجرد حبس المشاعر وترويضها .. إنه متعة التلذذ بحرارة المحنة .. لتغدوا بردا وسلاما" .. وكأنه يخاطبنا ..

الصبر والتصبر .. هو السبيل للحياة التي جبلت على الكدر والمصائب .. الدار التي مهما احلوت لك يوما فستُيئُ لك في آخر .. هي هكذا .. ولن تكون أول من يكتشف هذه السنة الكونية .. ولكنك بالتأكيد ستتأكد من ذلك بنفسك مع الأيام .. لذلك فالصبر والتصبر ليس خيارا مثاليا أو كماليا .. إنه السبيل للتعايش بطمأنينة مع طبيعة الحياة .. ولن يأتيك الصبر والرضى تلقائيا .. إنه حصيلة لرحلة إيمانية وتفكرية تحتاج إلى الكثير من الخيال والافتراضات وبعد النظر والعون من الله أولا وأخيرا ..

قد لايكون من اليسير أن تتخيل كيف للمصيبة أن تغدوا بردا وسلاما .. ولكنك تستمد العون في رحلة التصبر ممن يحب عباده ويقدِر أن يحول حالهم بـ"كن" فـ"يكون " .. ممن قال رسوله : " ومن يتصبر يصبره الله" .. فينزل سبحانه على قلوبهم السكينة والرضى ويبدلهم خيرا مما أُخذ منهم .. كما كان الوعد " ما مِنْ مسلِمٍ تصيبُهُ مصيبَةٌ فيقولُ ما أمرَهُ اللهُ : إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللهمَّ آجرْني في مُصيبَتِي ، واخلُفْ لي خيرًا منها . إلَّا آجرَهُ اللهُ في مصيبَتِهِ ، وأخلَفَ اللهُ لَهُ خيرًا منها" ..


في رحلة التفكر في التصبر.. عليك أن تتخيل الأسوأ لتحمد الله على ستره .. عليك أن ترسم قصصا خيالية لخيارات وأقدار كان أيسر ما على الله أن يجريها عليك .. وانظر حولك من شتى البلاءات التي لم يكن سبحانه عاجزا أن يضعك مكان أصحابها ..



في رحلة التفكر في التصبر عليك أن توقن أن الله لم يختار لك إلا الخير لك .. "أفرأيت ملكا يفسد في ملكه؟" .. ولكن قصور نظرنا بلطف الله في قدره والخير الذي رتبه والشر الذي صرفه هو مايقلقنا ويفتح باب الخيال لنا بأنه إذا لم يكن ماكان لكنا في حال خير مما نحن عليه الآن .. "إنما يؤلم المنع لعدم الفهم عن الله فيه" .. " متى فتح لك باب الفهم في المنع ، عاد المنع عين العطاء"



رحلة التفكر في التصبر تحتاج إلى إدراك حقيقي لمعنى الحياة الدنيا .. إدراك لمعناها الزائل .. تلك الحياة التي لاتعدوا عن كونها ممرا قصيرا ومعبرا ضيقا للقاء من نحب .. ألم يؤكد لنا سبحانه أن الحياة قصيرة في خطاب سيجري بعد زوالها  : "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين .. قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين .. قال إن لبثتم إلى قليلا لو أنكم كنت تعلمون" ..  فلعل الله أحب لقاء عبده وأحب إكرامنا بالمصيبة فالصبر عليها.. ليؤنسنا سبحانه يوم نلقاه فيخاطبنا : ألم أقدر - وأنا على كل شيء قدير-  أن احفظه لكم عمرا مديدا .. ولكني أحبكم .. نعم أحبكم .. اخترت لكم كدرا مؤقتا لأرفع درجاتكم .. اخترت لكم لحظات فراق يعقبها نعيم لم تكونوا لتبلغوه لولا حبي لكم بقدري هذا : "إن الله تعالى ليكتب للعبد الدرجة العليا في الجنة فلا يبلغها عمله ، فلا يزال يتعهده بالبلاء حتى يبلغها" ..



رحلة التفكر في التصبر تحتاج إلى إدراك عميق لمدى المنحة التي أهداك الله إياها .. نعم المنحة .. 


لقد اكتشفت شيئا بعدما حدث ماحدث .. أن المصيبة تقربك للناس وتقرب الناس منك .. سيحس أحدهم بأنه قادر على إظهار الجانب الخير فيه .. بإحسانه لك .. سيبادر لخدمتك .. سيحرص حتى البعيد بالسؤال عنك .. كان الكثير منهم يحسون  بأن لديك الأب الذي يدافع عنك ويخدمك .. فهم اليوم أقرب منك واكثر استعدادا للمبادرة في خدمة أبناء صديقهم وأخيهم الذي فقدته وفقدوه .. هكذا هم الأوفياء وهم كثر ولله الحمد ..

إن هي إلا حياة قصيرة .. كم عشت منها حتى الآن .. حاول ان تسترجعها سريعا .. مهما طالت وكثر فيها فرحك وحزنك وانجازاتك واحباطاتك فلن تعدوا ان تكون خيالا يمر في ثواني ... نعم هي هكذا يوم تلقى الله .. لتحمده على مابلغك حينها


ومهما حاولنا التصبر فلن نستطيع أن ننزع من قلوبنا شعور الفقد .. قد ننزعج أنه قد غادرونا .. ولكن من أين افترضنا أننا  في حال خير منهم  .. إن أكرمهم الله بفضله – وهذا ظننا بالله- فقد يتمنون أن نلحق بهم إلى كرم الله الواسع .. إننا لانملك نافذة لنرى ماذا خلف الموت .. ولكنهم قد يكونون في حال تحت كرم الله لو خيروا أن يعودوا إلينا ما عادوا ..  


لك الحمد يارب حتى ترضى .. ولك الحمد إذا رضيت .. ولك الحمد بعد الرضى

اللهم أحينا حياة طيبة واجمعنا مع من نحب مع أنبيائك والصالحين في رحمتك

الجمعة، 1 نوفمبر 2013

على عُجالة يا أبي ..




أبا عبدالله .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أسأل الله أن تكون في خير حال .. فأنت تحت رحمة من هو أرحم به منا ..

أبي لا أريد الإطالة فربما أنت مشغول بأمور أخرى ولكني أريد أن أكاتبك على عجالة ..


أبي .. أما كنت تقول لي كثيرا : " أهم شي الواحد يتركه هو الذكر الحسن" .. لقد علمت الآن معنى كلماتك جيدا من حديث الناس عنك مم لم يكن يخطر على البال ..

أبي .. أما كنت تقول لي : " الحمد لله الواحد خلص مراحل كثير من حياته بدري .. خلصت الثانوي قبل الناس .. وخلصت الكلية والزمالة والبعثة في فترة قصيرة ورجعت.. أدرت مستشفى التخصصي ثم استقلت مبكرا .. وبدأت بأعمال أخرى والآن أنا أتوجه مبكرا لعمل الخير" .. أما كنت تعلم أنك ستفارقنا وتنتقل إلى ربك مبكرا أيضا ؟



أبي اعذرني أن أخبر غيرك بشيء قلته لك مؤخرا مما أدخل السرور عليك : أنت فعلا شخص عظيم .. وسأضيف لهم بعض الشرح ليفهموا سياق ماكنت أخبرك به : كنت قدوة لنا في الإنجاز والأخلاق وحب الخير للآخرين .. كنت مثقفا موسوعيا بالفعل صاحب ذاكرة حديدية تبهر من يجلس أمامه لم أر مثلها .. تلك الذاكرة –وقد قلت لك ذلك أكثر من مرة- لم تورثها للأسف أحدا من أبنائك .. وليتك فعلت !

أبي سأقولها لك بكل وضوح هذه المرة وليتني قلتها لك قبل ذلك إذ كان ذلك سيفرحك كثيرا : أشعر بفخر عظيم كونني أبنا لك ..



أبي .. لقد سرني أن فارقتنا وأنت فخور بنا أيما فخر .. آلاء ابنتك الوحيدة والتي تشاركك في نقاشات الفكر والثقافة وكنت متحمسا لتراها تكمل مسيرتها في دكتوراة الإعلام ..  المهندس عبدالله ساعدك الأيمن في عملك وشدائدك والذي كنت تقول لي عنه بفخر "عبدالله خلاص يُعتمد عليه" .. أنا .. سلمان المهندس والإعلامي الذي فخرت به ودعمته .. عبدالملك الذي سرك فيه نجاح مشاريعه الصغيرة التي بدأها .. وسهل ابنك الاصغر و"التالي في عيالك" والذي كسر معك كل حواجز الهيبة .. بقيت أنا والذي لم يكتمل فرحك بي بعد  .. إذ لطالما تخيلت فرحتك بحضورك حفل تخرجي هذا العام طبيبا بإذن الله .. ولكن قدر الله أسرع 


أعاهدك أن نكون كما أردتنا .. يدا واحدة .. بأخلاق عالية .. كنت تردينا أن نتعلم وننجز ونؤثر .. كنت تحرص أن ترانا بأحسن حال .. نلبس أحسن مايُلبس .. ونركب أفضل مايركب .. من غير كبر ولاخيلاء .. نحتفظ بكرامتنا فلا نتوسل أحدا ولا نتذلل لمخلوق كائنا من كان ..




أعلمك أنا في خير حال صابرون ولله الحمد .. فقد علمتنا الصبر وضربت لنا فيه أروع الأمثلة مما لايعرفه سوى زوجتك وأبناءك الذين استأمنتهم عليه .. أعلمك أننا افتقدناك اليوم في مشوارنا لصلاة الجمعة لمسجد الحقيل .. لكني أبشرك أننا وصلنا قبل الآذان هذه المرة .. بل وأقمنا درس التفسير الأسبوعي الذي ألقاه بدلا عنك أستاذنا عبدالعزيز ندا والذي حفظ ثلاثة من أبنائك كتاب الله ..

  أبي .. لا أخفيك فقد كنا حزينين على كونك فارقتنا وحيدا في بلد الغربة إذ لم نكن بجانبك .. ولكن خالي فؤاد قرأ علينا حديثا سرنا اليوم أيما سرور .. أتعرفه ؟ ذلك الحديث الذي حسنه الألباني عن الرسول عليه السلام حيث قال :" توفي رجل بالمدينة فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ياليته مات في غير مولده، فقال رجل من الناس: ولم يا رسول الله، قال: إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" .. فهنيئا لك كمابين الرياض ولندن في الجنة

اعذرني ختاما يا أبي على هذه الرسالة العاطفية .. فمهما فعلنا تظل العاطفة جزءا لاينفصل من تركيبتنا الإنسانية .. واعتذرني أيضا لأمرين :
اعذرني فقد خجلت كثيرا عندما اختزلتك من أب عظيم إلى مسمى "جثمان" عندما قلت اهم أن "جثمانك" سيصل الأحد بإذن الله !
واعذرني فقد دخلت على حسابك في تويتر وطلبت من محبيك أن يدعوا لك .. لا أظنك كنت ستمانع كثيرا ..


أبي نحن بخير حال تحت رحمة الواسع الكريم .. رفيقة وزوجتك صابرة .. والأهل وأصدقاء كثر يبلغوك التحايا


نحسب أنك لحقت بصديقك الذي بكيت على فراقه بمرارة لا كأي أحد .. لحقت بحبيبك د.عبدالعزيز الراشد بعد عام من رحيلة ..


أبي .. لقد أحببناك كثيرا .. طبت حيا وميتا .. 


 "إن كان عز في الدنيا اللقاء بكم .. في جنة الخلد نلقاكم وتلقونا"


والكلام أكثر من ذلك بكثير ولكن هذا مايسمح به المقام

والسلام



*ملاحظة : نشرت نسخة من رسالتي لك في مدونتي الألكترونية والتي كان شأن استمراري في كتابتي فيها يهمك






الأحد، 10 فبراير 2013

تغطية الوجه و #غطوا_الطفلة_المشتهاة




خلال الأيام الماضية حدثت ضجة على بعض الفتاوى (#غطوا_الطفلة_المشتهاة و #الخلوة_بالشاب_الوسيم_حرام) ، ومع أنها غريبة بعض الشيء ألا أني أراها متماشية مع نفس سياق التفكير الشرعي الذي يفضل إقفال أبواب مداخل الفتنة بدلا من تحميل الفرد المسلم جهد تربية نفسه ومجاهدتها ، فوفق هذا التفكير أي فتنة يجب أن تبعد عن الناس حتى لايضطروا إلى مواجهة الفتن ومن ثم وقوع البعض في المحظور.


هذه النظرة تحدث عنها عبدالحليم أبوشقة في كتابه "تحرير المرأة في عصر الرسالة" في سياق وجهة النظر الشرعية في تغطية المرأة لوجهها ، ففي كتابه بحث مسائل تخص المرأة منها تغطية الوجه وفق الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية (احاديث البخاري ومسلم) وخلص برأي جواز كشف الوجه ، فيقول أن الشريعة جاءت لتربية نفس المؤمن لتواجه الإغراءات والابتلاءات التي تعد جزءا أساسيا في الحياة والتي بمواجهتها تكمل النفس وترتقي تربية وروحا. فبنظرته يؤكد "إن وضع القيود المسرفة –بدعوى سد الذريعة- يعتبر هروبا من مواجهة الحياة ، وكان حقا عليه (المغالي في الاحتياط) أن يواجه فتن الدنيا بعزيمته وتماسك خلقه ، وكان واجبا عليه أن يتسلح بالخلق القويم والشخصية المتماسكة مع الأخذ بما شرع الله إباحة أو ندبا أو وجوبا أو كراهية أو تحريما " .


أعتقد أن التفكير الشرعي الذي يتوجه إلى تجنب الفرد لمواجهة الفتن اليومية يركز على منع المواجهة والتي ستؤدي إلى التقليل من فرص التربية والارتقاء الأخلاقي ، حيث أن في كل انتصار على فتنة ارتقاء وكسب نفسي وخلقي يسعى الدين إلى تنميته وزرعه فينا . ومع تقليل المواجهة والكسب الأخلاقي ننتهي بمجتمع قد لايصل إلى الحرام لأنه لم يواجه الفتنة ولكنه إن واجهها فسينفضح خواءه الأخلاقي !