قال: اقرأْ كتابًا مرَّةً أخرى بعد سنين، ستقرؤه وكأنَّه لأوَّل مرَّة.
وكذلك تجربةُ الحجِّ.. كانت تجربتي الأولى قبل عشرين عامًا مع الوالد رحمه الله وأخي عبدالله، وكانت تجربةً جميلة، لكنَّ هذه المرَّة كانت مختلفة.
قرأتُ كلامًا للغزاليِّ عن تشبيه الحجِّ برحلة العبد في الموت والرَّحيل إلى الدار الآخرة، وكان تجلِّي هذه المعاني مؤثِّرًا وعميقًا.
في رحلة توديع سلطان ولين وتالية عند جدَّتهم، كأنَّه توديعُ الميِّت ورحيلُه عن أهله؛ يسلِّم عليهم ويودِّعهم وديعةً عند الله وعند أهله، إذ حان وقتُ الرحيل. تتأمَّل عند ذلك: ﴿إنَّ الذين قالوا ربُّنا الله ثمَّ استقاموا تتنزَّل عليهم الملائكة ألَّا تخافوا ولا تحزنوا﴾، ومن تفاسير عدم الحزن: عدمُه على ترك الأهل والأبناء، أو الخوف على مستقبلهم ومآلهم بعد الموت.
ثمَّ ترحل مسافرًا، وقد دخلتَ في حالةٍ شعوريَّةٍ أخرى؛ فأنت متوجِّهٌ للقاء الله تعالى، فقد ناداك ضيفًا لديه، واختارك من بين الكثير ممَّن أراد ولم يستطع، أو لم تُكتب له.
تصل بعد العمرة إلى منى، إلى مكانٍ جديدٍ تمامًا، مليءٍ بالحجَّاج بلباسٍ أبيضَ كالكفن، لا تعرف منهم أحدًا، لكأنَّك تدخل إلى مقبرةٍ وتجد فيها أرواحًا كثيرةً قد سبقتك، تتعارف وتتآلف.
تتأمَّل للحظاتٍ وكأنَّك فعلًا قد انقطعتَ عن الدنيا — ويفيدك في ذلك قطعُ وسائل التواصل — ثمَّ تتأمَّل أنَّ الباب مفتوحٌ، والفرصة موجودةٌ للعودة، وأنَّ الدعوات والصحائف مفتوحةٌ.
تمشي بين المخيَّمات، فتجد منها ذاتَ النجمة والـخمسِ نجومٍ، فتتذكَّر أنَّ الآخرة درجاتٌ.
الحجُّ فرصةٌ فعليَّةٌ للانقطاع التامِّ، وتجربةُ رحيلٍ ومراجعةِ نفسٍ، وليست النفسُ تصفو بالإيمان دائمًا، ولكنَّها ساعةٌ يساعد فيها الإنسانُ نفسَه ليجدها، قبل أن يعود إلى الشَّعث.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق